لماذا لا يرث الابنُ المتوفَّى قبل أبيه؟ ولماذا لا يرث الأحفادُ نصيب أبيهم؟ جامعة_أجيال_وتكنولوجيا# بقلم الدكتور د. محمد سعيد السلمو حكمة الميراث بين عدل الشرع ونبض الحياة ليس الميراث في الإسلام حسابا رياضيا جامدا، ولا قسمة عمياء تُجرى على الأسماء والأرقام، وإنما هو تشريع ينظر إلى الحياة وهي تمشي، لا إلى الموت وهو يسكن. فالشرع حين قسم المال، لم يقسمه باعتباره مالا فحسب، بل باعتباره طاقة للحياة، ووسيلة لاستمرارها، وضمانا لعدالتها. ولهذا كانت القاعدة الأولى في الميراث: أن الحي يرث الميت، ولا يرث الميتُ الميت. فالابن إذا توفي قبل أبيه، انقطعت عنه صلة الاستحقاق لا قسوة، بل منطقا؛ لأنه خرج من دائرة الحياة التي يدور فيها المال. إذ الميراث ليس مكافأة على النسب، وإنما وظيفة اجتماعية تُمنح لمن لا يزال في ميدان المسؤولية والإنفاق والبناء. المال في نظر الشريعة ليس كنزا يُحبس، بل دم يجري في جسد الأمة، فإن تجمد فسد، وإن دار صلح. ومن هنا كان تداول المال مقصدا شرعيا، حتى لا تتراكم الثروات في يدٍ واحدة، ولا تتحول العائلات إلى إمبراطوريات، ولا يصبح الورثة سادة والناس عبيدا. لسنا في الإسلام أعداء الغِنى، ولا نكره أن ينعم الله على عبدٍ فيغنيه، بل نكره أن يتحول الغِنى إلى طغيان، وأن يُورَّث الاحتكار كما يُورَّث الاسم. فالميراث حين يُفَتِّت المال، إنما يحمي المجتمع قبل أن يحابي الأفراد. ثم نعود إلى جوهر المسألة… الشرع في الميراث ينظر أولا إلى درجة القرب، لا إلى العاطفة المجردة. فالابن هو أقرب الناس إلى أبيه، وهو الامتداد الطبيعي له، وهو الشاب المقبل على الحياة، المحتاج إلى المال ليبني، لا ليُخزِّن. هو أحق الناس برحمة أبيه بعد موته، لأنه يحمل اسمه، ومسؤوليته، وعبء المستقبل. أما الابن الذي توفي قبل أبيه، فقد انقطعت عنه هذه الوظيفة؛ فلا مستقبل له في الدنيا، ولا مسؤولية مالية تنتظر أداءها. ولهذا كان العدل أن يُعطى المال لمن لا يزال حيا، لا لمن سبق إلى القبر. لكن لو أن الابن مات بعد أبيه، ولو بلحظة، فإنه يرث؛ لأنه حين استحق الميراث كان حيا، ثم ينتقل حقه إلى ورثته من بعده. فالميزان هنا ليس الموت، بل لحظة الاستحقاق. وأما الأحفاد، فحكايتهم أدق، وحكمتها أعمق. فالحفيد ليس في درجة القرب كدرجة الابن، بل يفصل بينه وبين الجد واسطة، وقد تكون تلك الواسطة باب نزاع لا باب رحمة. وهذا يظهر أثره في بيت أسرة مشتَرَك ، أو في إدارة شركة كبيرة أو رؤوس أموال مختلفة. إذ قد تدخل امرأة غريبة – بحكم الوصاية – فتتحكم في المال، وتثير الخلاف، وتنازع أبناء الجد حقهم المباشر في ميراث أبيهم. وهنا تظهر عبقرية التشريع فالشرع لم يهمل الأحفاد، ولكنه لم يُسلِّمهم المال تسليما مباشرا. فعوَّضهم بالوصية المستحبة ، لا بالميراث. وفي الوصية رحمة بلا فتنة، وعطاء بلا صراع، وإحسان بلا استحقاق قهري. يُعطَون، ولكن لا يتحكمون. يُكرَمون، ولكن لا يُنازعون. ويُراعَون، ولكن لا يُقدَّمون على من هم أقرب درجة. وهذا الفرق الدقيق بين الميراث والوصية، هو ما يحفظ توازن العائلات، ويصون الشركات، ويمنع تفكك الكيانات الكبيرة، حيث يتحول المال – إن أُسيء توزيعه – إلى أداة صراع لا سبب استقرار. إن قضية الميراث، في عمقها، ليست قضية مال، بل قضية نظام حياة. وحين نفهمها بهذا المنظار، ندرك أن الشريعة لم تُقسِّم التركة فحسب، بل قسَّمت الأعباء، ووزعت المسؤوليات، وحمت الإنسان من الإنسان. ولو أننا مطالبون بتطبيق الشرع قبل فهم حكمته، لكن فهم الحكمة يزيدنا يقينا، ويجعل الطاعة بصيرة لا تقليدا، وإيمانا لا عادة. وهكذا حين يمنع الشرع وارثا، لا يحرمه، وحين لا يورِّث، لا يظلم، بل يضع المال حيث يخدم الحياة، ويترك للرحمة بابها مفتوحا ، اسمه الوصية. الدكتور محمد سعيد السلمو د. محمد سعيد السلمو مع تحيات قسم الدراسات الإسلامية Generations and Technology University #جامعة_أجيال_وتكنولوجيا جامعة_أجيال_وتكنولوجيا# https://gtuedu.org/