قراءة تحليلية في كتاب "أمريكا وإسرائيل: دراسة لدور الفكر الديني في الدعم الأمريكي لإسرائيل من خلال واقعة إيران جيت"

قراءة تحليلية في كتاب "أمريكا وإسرائيل: دراسة لدور الفكر الديني في الدعم الأمريكي لإسرائيل من خلال واقعة إيران جيت" بقلم الدكتور محمد سعيد مصطفى أركي كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية جامعة أجيال وتكنولوجيا مقدمة: الكتاب في سياقه الفكري والتاريخي يُعد كتاب "أمريكا وإسرائيل" للدكتور محمد معروف الدواليبي رحمه الله تعالى وثيقة فريدة في مسيرته الفكرية. و الدكتور محمد معروف الدواليبي (1907-2004م) هو أحد أبرز علماء الشريعة والقانون في العالم الإسلامي المعاصر. ولد في حلب، سوريا، وتلقى تعليمه في الجامعات السورية ثم الفرنسية، حيث حصل على الدكتوراه في الحقوق من جامعة باريس، كما نال دبلوماً في الحقوق الكنسية، مما أتاح له فهماً عميقاً للنظم القانونية الغربية إلى جانب إتقانه للشريعة الإسلامية. تقلد الدواليبي رحمه الله تعالى مناصب رفيعة متعددة: كان رئيسا للوزراء في سورية عدة مرات ورئيس للبرلمان، وتولى عدة مناصب وزارية في اوقات مختلفة. و كان مستشارا في الديوان الملكي السعودي. وانتدبه الملك فهد لاجتماع للأمم المتحدة في جنيف يخص الأديان. كان ايضاً رئيساً لمؤتمر العالم الاسلامي، و رئيس للمؤتمر الاسلامي الشعبي في بغداد، ورئيساً للإسلام والغرب. وكذلك عضو في رابطة العالم الاسلامي. . غير أن أهم إنجازاته كانت قيادته للوفد السعودي العلمي في سلسلة الندوات الحوارية مع الكنيسة الكاثوليكية والمجلس الأوروبي ومجلس الكنائس العالمي خلال السبعينيات، والتي وثقت في كتابه الأول "ندوات علمية حول الشريعة الإسلامية". تميز الدواليبي بمنهجية فريدة في عرض الإسلام للغرب، اعتمدت على اللغة العلمية المشتركة والاستناد إلى مصادر غربية لتدعيم الحقائق الإسلامية. هذا الكتاب يختلف عن كتبه السابقة التي ركزت على الدفاع عن الإسلام وتقديمه كحضارة بديلة. هنا، ينتقل الدواليبي إلى ساحة تحليل السياسة الخارجية الأمريكية وكشف الأسباب الدينية والأيديولوجية الكامنة وراء الدعم المطلق لإسرائيل. الكتاب هو في جوهره رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، كُتبت في سياق فضيحة "إيران جيت" التي انكشفت في منتصف الثمانينيات. وإيران جيت هي فضيحة سياسية كُشفت عام 1986، تبين فيها أن إدارة الرئيس ريجان كانت تبيع أسلحة سراً لإيران (التي كانت تخضع لحظر أمريكي و توصف آنذاك بدولة "إرهابية) وتستخدم العائدات لتمويل متمردي "الكونترا" في نيكاراغوا، وكانت إسرائيل وسيطاً في بعض الصفقات. لكن الدواليبي لا يهتم فقط بفضح الفضيحة السياسية، بل يتجاوزها إلى تحليل البنية الفكرية والدينية التي تجعل الرئيس الأمريكي والنخبة السياسية يخضعون للضغط الصهيوني ويقدمون مصالح إسرائيل على المصالح الأمريكية نفسها. القسم الأول: قراءة تحليلية شاملة – المنهج والمحاور والأدلة أولاً: منهجية الدواليبي في الكتاب توظيف المصادر الغربية للاستشهاد ضد الغرب: يعتمد الدواليبي على نصوص التوراة والإنجيل والتلمود، وهي المصادر المقدسة لدى الطرف الآخر، ليستشهد بها كحجة ضده. كما يستشهد بتصريحات سياسيين غربيين مثل حاييم وايزمان، ولويد جورج، وآرثر بلفور، وشهادات مؤرخين غربيين مثل بلانش دوجديل. هذه الاستراتيجية تحقق غاية الإفحام، لأنه يستحيل على الخصم أن يرد على حجة مستمدة من كتابه المقدس أو من تصريحات كبار رجاله. كشف التضليل الديني: يكرس الدواليبي جهده لبيان أن الدعم الأمريكي لإسرائيل ليس نابعاً من حسابات سياسية أو استراتيجية باردة، بل من فهم مشوه للنصوص الدينية لدى جماعات مسيحية صهيونية. هذا هو الإضافة الجوهرية التي يميز بها هذا الكتاب عن سواه. تحليل آليات النفوذ: يقدم الدواليبي تحليلاً واقعياً لعناصر القوة اليهودية في أمريكا، ويركز بشكل خاص على السلاح الأكثر فاعلية: الملفات السرية المستخدمة في الابتزاز السياسي. هذا التحليل نادر في الكتابات العربية المعاصرة لتلك الفترة. المنهج التاريخي المقارن: يقارن بين موقف الرئيس فرانكلين روزفلت (الذي تعهد للملك عبد العزيز بعدم اتخاذ أي عمل عدائي ضد العرب) وموقف الرئيس ريجان (الذي استسلم للتضليل الصهيوني). ويقارن بين موقف الفاتيكان الرافض لاعتبار إسرائيل كياناً إلهياً، وموقف البروتستانت الإنجيليين الداعم لها. ثانياً: أبرز المحاور والأدلة عناصر قوة اللوبي اليهودي في أمريكا: يحدد الدواليبي أربعة عناصر رئيسية: القوة المالية لشراء النفوذ، والسيطرة على وسائل الإعلام لغسيل أدمغة الرأي العام، والملفات السرية المستخدمة في الابتزاز السياسي، والتأثير الديني عبر الجماعات المسيحية الصهيونية. وهذا العنصر الأخير هو الأكثر إثارة وجرأة في تحليله. الجذور الدينية للدعم الأمريكي: يكشف الدواليبي قصة القس الأمريكي جيري فالويل، الذي منحته إسرائيل طائرة نفاثة خاصة بقيمة ثلاثة ملايين دولار، وغرسوا له أشجاراً في "غابة جيري فالويل"، ثم طلب منه مناحيم بيجن أن يذهب إلى الضفة الغربية ويعلن أن الله أعطى الضفة الغربية لليهود. ويكشف عن عقيدة مسيحية صهيونية غريبة تعتقد أن عودة اليهود إلى الأرض الموعودة هي شرط أساسي لمجيء المسيح للمرة الثانية، ويسخر من التناقض القائل إنهم يعلمون أن اليهود كفروا بالمسيح ومع ذلك يدعمونهم. موقف الفاتيكان الرافض للتضليل الصهيوني: يستشهد الدواليبي بقصة لقاء تيودور هرتزل بالبابا بيوس العاشر عام 1904، حيث طرد البابا هرتزل قائلاً له: "إنكم بعد أن اضطهدتم المسيح نفسه وحكمتم عليه بالصلب وصلبتموه، لم تعودوا شعب الله المختار". ويشير إلى أن البابا يوحنا بولس الثاني أصدر بياناً عام 1985 يرفض فيه اعتبار وجود إسرائيل أمراً إلهياً. النصوص التوراتية الرافضة لبني إسرائيل: يستعرض نصوصاً من أسفار الأنبياء في التوراة تثبت أن الله رفض بني إسرائيل رفضاً أبدياً بسبب عصيانهم، مثل "كلهم عصاة متمردون والرب قد رفضهم" من سفر إرميا، و"إنكم لستم شعبي وأنا لا أكون لكم" من سفر هوشع. النصوص التلمودية المحرمة لدولة إسرائيل: يستشهد بوثيقة وزعها يهود أرثوذكس في مدينة مونسي بولاية نيويورك عام 1985، جاء فيها أن الشعب اليهودي ودولة إسرائيل شيئان مختلفان ومتعارضان، لأن الديانة اليهودية والتوراة قد حرمتا على الشعب اليهودي أن تكون له دولة خاصة به قبل المسيحالذي ينتظرونه. القسم الثاني: تلخيص مع التحليل والتعليق خلاصة الكتاب يرسل الدكتور معروف الدواليبي رسالة مفتوحة إلى الرئيس الأمريكي رونالد ريجان، يسأله فيها: كيف تدافع عن حق اليهود السوفييت في الهجرة إلى إسرائيل باسم حقوق الإنسان، وفي الوقت نفسه تتغاضى عن تهجير الفلسطينيين من أرضهم؟ وكيف تبيع السلاح سراً لإيران بالتعاون مع إسرائيل وتخاطر بسمعتك السياسية من أجل هذه الفضيحة؟ يكشف الدواليبي أن الدعم الأمريكي المطلق لإسرائيل لا يعود لأسباب سياسية أو استراتيجية فقط، بل لجذور دينية عميقة تتمثل في "التضليل المسيحي الصهيوني" الذي يقوده قساوسة مثل جيري فالويل، والذين ينجحون في التأثير على صناع القرار في واشنطن. ويختم الكتاب بدعوة الرئيس ريجان إلى العودة إلى رشده، وفتح حوار جاد بين الأديان بعيداً عن التضليل الصهيوني، والسير على نهج الرئيس روزفلت الذي احترم الحقوق العربية. الرد على النقود الموجهة للكتاب أولاً: حول الطابع العاطفي وغياب الموضوعية الأكاديمية هذا النقد يخلط بين معيارين مختلفين: معيار الكتاب الأكاديمي المحايد ومعيار الرسالة السياسية المفتوحة. الدواليبي لم يكتب بحثاً علمياً لنيل درجة الدكتوراه، بل كتب رسالة مفتوحة إلى رئيس دولة. والمطلوب في الرسالة المفتوحة ليس الحياد الأكاديمي، بل الوضوح والجرأة والإفحام والتأثير. الطابع العاطفي الذي يظهر في الكتاب هو تعبير طبيعي عن الغضب من سياسة أمريكية منحازة تتغاضى عن تهجير شعب بأكمله وتدمير بيوته وقتل أطفاله، بينما تدافع عن حق يهود السوفييت في الهجرة. هل كان مطلوباً من الدواليبي أن يكتب ببرود أكاديمي وهو يصف مأساة فلسطين؟ علاوة على ذلك، العاطفة في الكتاب ليست عاطفة فارغة، بل هي عاطفة مدعومة بالحجج والأدلة والنصوص. الدواليبي لم يبكِ فقط، بل قدم نصوصاً من التوراة والتلمود والفاتيكان ووثائق يهودية أرثوذكسية. العاطفة هنا هي وقود الحجة، وليست بديلاً عنها. ثانياً: حول غياب الحلول العملية هذا النقد صحيح من حيث المبدأ، لكنه غير منصف من حيث طبيعة الكتاب وغرضه. الكتاب ليس خطة عمل أو برنامجاً سياسياً متكاملاً. هدفه الأساسي هو تفكيك الرواية الصهيونية التي يستند إليها الدعم الغربي لإسرائيل، وكشف أن هذا الدعم يقوم على تضليل ديني وليس على حقائق تاريخية أو قانونية. الدواليبي يقدم حلاً عملياً واحداً واضحاً في نهاية الكتاب، وهو الحوار بين الأديان، والعودة إلى سيادة الحق التي أقرتها الأمم المتحدة. لكن من غير المنطقي أن نطلب من رسالة من ثمانين صفحة أن تقدم خطة شاملة لتحرير فلسطين. علاوة على ذلك، الدواليبي يقدم حلاً غير مباشر ولكنه قوي: إذا أثبتنا أن الدعم الأمريكي لإسرائيل يقوم على أكذوبة دينية، فإن أساس هذا الدعم ينهار. تفكيك الأسطورة هو الخطوة الأولى نحو الحل. لا يمكنك حل مشكلة ما دمت تؤمن بالأسطورة التي تبررها. ثالثاً: حول الاعتماد على مصادر غير موثقة بشكل كامل معظم مصادر الدواليبي موثقة وواضحة. يستشهد بنصوص محددة من التوراة بأرقام الفصول والفقرات. يستشهد بوثيقة يهودية من مدينة مونسي مع تاريخها. يستشهد بتصريحات سياسيين ومؤرخين بأسمائهم. هذا ليس اعتماداً على مصادر غير موثقة. بخصوص الملفات السرية، الدواليبي لا يدعي أنه يمتلك هذه الملفات أو أنه اطلع عليها. هو يحلل آلية عمل اللوبي اليهودي كما يراها محللون سياسيون كثيرون قبله وبعده. فكرة أن أجهزة استخبارات تجمع ملفات عن الشخصيات العامة لاستخدامها للضغط أو الابتزاز ليست نظرية مؤامرة، بل هي حقيقة معترف بها في العلوم السياسية. طبيعة الكتاب كرسالة سياسية تفرض أسلوباً مختلفاً في التوثيق. ليس مطلوباً من رسالة إلى رئيس دولة أن تضع هوامش وفهارس كأطروحة دكتوراه. المطلوب هو الوضوح والإقناع والتأثير. رابعاً: حول عدم الإشارة إلى رد الفعل وجدوى الرسالة هذا النقد يتجاهل طبيعة الرسالة المفتوحة في الأدب السياسي. الرسالة المفتوحة لا تُكتب بالضرورة للحصول على رد رسمي من المرسل إليه. الهدف الأساسي منها هو مخاطبة الرأي العام، وفضح السياسات، وتوثيق الموقف الفكري للمرسل. هي أشبه ببيان سياسي أو وثيقة احتجاج أكثر منها مراسلة دبلوماسية تنتظر رداً. عندما يكتب المفكرون والسياسيون رسالة مفتوحة إلى الرئيس الفلاني، فإن جمهورهم الحقيقي هو الشعب والرأي العام العالمي والنخب المثقفة، وليس الرئيس نفسه. الدواليبي يريد أن يقول للعالم: ها أنا ذا أوجه هذه الأسئلة المحرجة إلى أقوى رجل في العالم، وهو لا يستطيع أن يرد عليها. هذا الفعل بذاته هو مكسب سياسي، لأنه يضع الخصم في موقف المتهم. خاتمة الإنصاف: الدواليبي لم يكن يكتب لنيل جائزة أدبية أو لنشر بحث في مجلة محكمة. كان يكتب ليفضح كذباً يستند إليه احتلال، وليحرج أقوى رجل في العالم، وليقدم حججاً دامغة لأجيال قادمة. الإنصاف للدواليبي يقتضي أن نحكم على الكتاب بما هو، لا بما ليس هو. وهو رسالة سياسية فكرية دامغة، كتبها رجل جمع بين العلم والسياسة والدبلوماسية، ليوجهها إلى أقوى رجل في العالم في لحظة غضب تاريخية. القسم الثالث: مقارنة مع كتاب "أكذوبة الأرض الموعودة لبني إسرائيل من الفرات إلى النيل" أوجه التشابه كلا الكتابين هما رسالة مفتوحة موجهة إلى رئيس أمريكي (الأول إلى جورج بوش الأب، والثاني إلى رونالد ريجان)، ويهدفان إلى فضح ازدواجية المعايير الأمريكية، وتفنيد المزاعم التوراتية التي تستخدم لتبرير الاحتلال الإسرائيلي. يعتمد الكاتبان على استراتيجية "الإفحام من الداخل" باستخدام نصوص التوراة كحجة ضد إسرائيل، وتقديم أدلة على أن الله رفض بني إسرائيل رفضاً أبدياً بسبب عصيانهم. أوجه الاختلاف والتمايز يتميز كتاب "أمريكا وإسرائيل" عن سابقه بتركيزه المكثف على دور المسيحيين الصهاينة في دعم إسرائيل لأسباب دينية، بينما ركز "أكذوبة الأرض" بشكل حصري على تفنيد المزاعم اليهودية التوراتية. كما يقدم "أمريكا وإسرائيل" تحليلاً مفصلاً لعناصر القوة اليهودية في أمريكا من مال وإعلام وملفات سرية، وهو تحليل غائب تماماً عن "أكذوبة الأرض". بالإضافة إلى ذلك، يستشهد "أمريكا وإسرائيل" بنصوص من التلمود وموقف الفاتيكان، وهما إضافتان غير موجودتين في الكتاب الأول. تقييم مقارن كتاب "أكذوبة الأرض الموعودة" هو كتاب تأسيسي في تفنيد المزاعم التوراتية، ويركز على الجانب العقائدي اليهودي بشكل أساسي. أما كتاب "أمريكا وإسرائيل" فهو كتاب أكثر نضجاً وشمولية، إذ يضيف تحليلاً سياسياً واقعياً لآليات النفوذ، ويكشف دور المسيحيين الصهاينة، ويستشهد بالتلمود والفاتيكان، مما يجعله أشبه بالحلقة المكملة والأكثر عمقاً. القسم الرابع: هل كتب أحد عن نفس الموضوع؟ نعم، كتب آخرون عن نفس الموضوع أو قريب منه، لكن من زوايا مختلفة تماماً عن زاوية الدواليبي. من أبرزهم جون لوفتوس ومارك آرونس في كتابهما "The Secret War Against the Jews" (الحرب السرية ضد اليهود) الصادر عام 1994. ما الفرق بين لوفتوس والدواليبي؟ لوفتوس يكتب من منظور صهيوني أو على الأقل من منظور "حليف لإسرائيل". كتابه يحمل عنوان "الحرب السرية ضد اليهود"، وهو يهدف إلى كشف ما تعتبره إسرائيل "خيانة غربية" لها. يفضح السياسات الأمريكية "السرية" ضد إسرائيل، لكنه في النهاية يبقى داعماً لوجودها. هو يريد أن يقول: "أمريكا تخون إسرائيل سراً، وهذا خطأ". أما الدواليبي فيريد أن يقول: "أمريكا تدعم إسرائيل علناً بناءً على أكذوبة، والدعم ذاته هو الخطأ". أما الفرق الجوهري الآخر فهو أن لوفتوس يركز على البعد السياسي والاقتصادي (النفط والمصالح) ويتجاهل البعد الديني الذي يشكل قلب تحليل الدواليبي. بينما الدواليبي يركز على كشف عقيدة "المسيحية الصهيونية" ودور قساوسة مثل جيري فالويل في دعم إسرائيل، وهو تحليل غائب تماماً عن كتاب لوفتوس. كما أن لوفتوس يكتب للجمهور الغربي، وكتابه صدر عن دار نشر أمريكية كبرى بهدف إحداث جدل في الولايات المتحدة حول سياساتها تجاه إسرائيل. أما الدواليبي فيكتب للجمهور العربي والإسلامي أولاً، ورسالته المفتوحة إلى الرئيس ريجان هي أداة بلاغية لتوجيه الكلام إلى الغرب من موقع القوة، وليس كتاباً يسعى للنشر التجاري في الأسواق الغربية. إذن، لماذا يبقى كتاب الدواليبي فريداً؟ لأنه يجمع بين ثلاثة أمور لا تجتمع في كتاب آخر: تحليل فضيحة إيران جيت سياسياً، وكشف الجذور الدينية للدعم الأمريكي لإسرائيل من خلال كشف عقيدة "المسيحية الصهيونية"، وتفنيد الرواية التوراتية من داخل نصوصها الخاصة. هذا المزج بين التحليل السياسي والكشف الديني والإفحام بالنصوص المقدسة هو ما يجعل كتاب الدواليبي فريداً في بابه، ولا يوجد كتاب آخر يجمع هذه العناصر الثلاثة معاً. خاتمة: قيمة الكتاب في مشروع الدواليبي الفكري يمثل كتاب "أمريكا وإسرائيل" قمة الجرأة السياسية والفكرية في مسيرة الدواليبي. فهو لم يكتفِ بالدفاع عن الإسلام أو تفنيد الشبهات، بل انتقل إلى تحليل ساحة العدو، وكشف آليات نفوذه، وتوجيه الأسئلة المحرجة مباشرة إلى رئيس أقوى دولة في العالم. الكتاب يجمع بين العمق الديني باستحضار نصوص التوراة والتلمود والأناجيل، والتحليل السياسي بكشف آليات اللوبي اليهودي والابتزاز، والتوثيق التاريخي بقصة هرتزل مع الفاتيكان ورسائل روزفلت، والجرأة في المخاطبة بتوجيه الكلام إلى الرئيس ريجان شخصياً. ورغم ما قيل عن طابعه العاطفي، فإن هذا الطابع هو ما يتناسب مع طبيعة "الرسالة" السياسية التي كتبت في لحظة غضب تاريخي. وما زالت الدروس المستفادة من الكتاب حية اليوم: فالمسيحية الصهيونية ما زالت تنشط في أمريكا، واللوبي اليهودي ما زال يسيطر على الإعلام والسياسة، والرؤساء الأمريكيون ما زالوا يخضعون للضغوط الصهيونية. الكتاب إذاً ليس مجرد وثيقة تاريخية، بل هو أداة لفهم الحاضر وربما التنبؤ بالمستقبل. ولهذا، يبقى كتاب "أمريكا وإسرائيل" وثيقة تستحق القراءة والتأمل، خاصة في زمننا الراهن. كلمة شكر وتقدير لا يفوتني في ختام هذه القراءة التحليلية أن أتقدم بخالص الشكر والعرفان إلى الأستاذ الفاضل نوفل الدواليبي، ابن العلامة الجليل الدكتور محمد معروف الدواليبي رحمه الله، الذي تفضل مشكوراً بتزويدي بنسخة من هذا الكتاب النفيس، وبالمعلومات والوثائق التاريخية القيمة التي أضاءت هذه القراءة، كما أشكره على ما تفضل به من تصويب بعض المعلومات، مما أضاف إلى هذا البحث بعداً توثيقياً دقيقاً، وأتاح لي فرصة الغوص في فكر والده من مصادره الأصلية. فله مني جزيل الشكر وعظيم الامتنان، وأسأل الله أن يجعل هذا العمل في ميزان حسنات والده، وأن يبارك له في علمه وجهده، وأن ينفع به الأمة الإسلامية. الدكتور محمد سعيد مصطفى أركي كلية الآداب والعلوم الإنسانية قسم الدراسات الإسلامية جامعة أجيال وتكنولوجيا Generations and Technology University Generations and Technology University