مِنْ غُبَارِ الصَّحْرَاءِ إِلَى جُبَّةِ النَّبِيّ ﷺ

مِنْ غُبَارِ الصَّحْرَاءِ إِلَى جُبَّةِ النَّبِيّ ﷺ في زوايا الصحراء الشاسعة، حيث تذوب الأوهام وتتجرّد النفوس من مساحيق الزينة، تنبثق أحياناً قصصٌ تتجاوز حدود الزمان، لتستقرّ في جدار الذاكرة كالنقش على الجلمود الصّلد، ومن أبهى هذه الصور وأكثرها إشراقاً، قصة ذلك الأعرابيّ الذي جاء إلى النبي صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، محمّلاً بفطرةٍ نقيّة كقطرة الندى في إشراقة الفجر، ليقدّم درساً بليغاً في تجريد الإخلاص لله تعالى. دخل الأعرابيّ في دين الإسلام لا يبتغي جاهاً ولا يطلب عرضاً زائلاً؛ فكان إيمانه كالشجرة الطيبة التي ضربت أصلها في عمق الأرض ورفعت فرعها إلى السماء، وحين انتهت الغزوة، (قسمَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ وقسمَ لَهُ، فأعطى ما قسمَ لَهُ، وَكانَ يرعى ظَهْرَهُم، فلمَّا جاءَ دفعوهُ إليهِ، فقالَ: ما هذا؟ قالوا: قَسمٌ قَسمَهُ لَكَ النَّبيُّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، فأخذَهُ فجاءَ بِهِ إلى النَّبيِّ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، فقالَ: ما هذا؟ قالَ: قَسمتُهُ لَكَ، قالَ: ما علَى هذا اتَّبعتُكَ، ولَكِنِّي اتَّبعتُكَ على أن أرْمَى إلى ههُنا، وأشارَ إلى حَلقِهِ بسَهْمٍ، فأموتَ فأدخلَ الجَنَّةَ) كانت كلماته تنبعث من صدره كالسهم النافذ الذي لا يرتدّ، ومرآة قلبه الصافية لا تعكس بريق الذهَب ولا بريق المتاع، بل كانت تتطلع فقط إلى فضاء الخلود، لقد شخّص مقصده بوضوحٍ متناهٍ، وكأنّ إشارته إلى حلقة نحره بوصلةٌ دقيقة تهدي سفينة روحه نحو مرافئ الشهادة. حين سمع النبي صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ كلماته الصافية، أطلق قاعدته الخالدة التي أضاءت ظلمات السرائر كالشمس إذ تجلو غسق الليل: «إنْ تَصْدُقِ اللهَ يَصْدُقْكَ» كانت هذه الجملة الشريفة كميزان ذهبيّ يزن مثاقيل القلوب، لم تكن مجرد وعدٍ لفظي، بل كانت قانوناً ربانياً؛ فمن أخلص نّيته وجعل صدقه كالماء الزُّلال لا يمازجه كَدَر، فتحت له السماء أبوابها، وسخّرت له الأسباب لتطابق إرادته قدرَ الله تعالى النافذ. لم يلبث القوم إلا قليلاً حتى نهضوا لقتال العدو، وفي وطيس المعركة، لم يكن الأعرابيّ يبحث عن النصر الدنيوي، بل كان يبحث عن وعده، وما هي إلا لحظات حتى أُتِيَ به يُحمل إلى النبي صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ، وقد استقرّ السهم في الموضع ذاته الذي أشار إليه بأصبعه! كان وقوع السهم في نحره كالمفتاح يطابق الأقفال بدقةٍ متناهية، وكأن يداً رسمت مسار السهم في الهواء ليقع حيث اشتهت روح الصادق. تساءل النبي صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ وهو ينظر إليه برحمةٍ وحب: «أَهوَ هُوَ؟»، قالوا: نعم. فقال صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ كلمته الخالدة: «صَدَقَ اللهَ فَصَدَقَهُ». بلغت التكريمات ذروتها حين كفّنه النبي صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ في جُبّته الشريفة؛ فغدا جثمانه الملفوف بهذه الجبة كالقمر المتشح بنور الهداية، ثم قدّمه وصلى عليه، فسمع الناس من دعائه: «اللهم هذا عبدُك، خرج مهاجراً في سبيلك فَقُتِل شهيداً، وأنا شهيدٌ على ذلك» لقد طُوِيت صحيفة هذا الأعرابيّ الذي لم يُعرف له اسمٌ في تاريخ الرجال، لكن اسمه كُتِب بحروف من نور في ديوان المقربين، لقد أثبت أن القرب من الله تعالى لا يحتاج إلى طول ديباجة، بل إلى قلبٍ صفيٍّ كالمصحف المطهّر، لا يحمل إلا نيّةً واحدة وصدقاً لا يتزعزع. الدكتور محمد محمود كالو د. محمد كالو كلية الآداب والعلوم الإنسانية جامعة أجيال وتكنولوجيا Generations and Technology University America Generations and Technology University