البَيَانُ النَّبَوِيُّ فِي مَشْهَدِ الأَجَلِ وَالأَمَلِ حين تلتقي بلاغة النبوة بحكمة الميدان، تتحول الكلمات إلى مرآة صافية ترى فيها النفس حقيقتها مجردة من زيف الغرور. وفي هذا الحديث الشريف، لم يكتفِ المعلم الأول -صلى الله عليه وسلم- بإلقاء المواعظ مجردة، بل نقل الحقائق الكبرى من عالم التجريد إلى عالم الحس والعيان، مستخدماً أدوات بسيطة من بيئته ليخطّ على أديم الأرض ملحمة الوجود البشري برمته. إننا أمام مشهد استثنائي يختزل صراع الإنسان الأبدي بين الأجل المحيط والأمل الممتد والأعراض الناهشة، في لوحة بصرية تنبض بالحياة والاعتبار. فعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: (خَطَّ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم خَطًّا مُرَبَّعًا، وخَطَّ خَطًّا في الوسَطِ خارِجًا منه، وخَطَّ خُطَطًا صِغارًا إلى هذا الذي في الوسَطِ مِن جانِبِه الذي في الوسَطِ، وقال: هذا الإنسانُ، وهذا أجَلُه مُحيطٌ به -أو: قد أحاطَ به- وهذا الذي هو خارِجٌ أمَلُه، وهذه الخُطَطُ الصِّغارُ الأعراضُ، فإن أخطَأهُ هذا نَهَشَه هذا، وإن أخطَأهُ هذا نَهَشَه هذا) [رواه البخاري]. إن الحديث النبوي الشريف الذي نقشه النبي -صلى الله عليه وسلم- على أديم الأرض، ليعدّ تحفة بيانية حية، تشبه لوحة فنية ناطقة رسمتها يد العصمة لتلخص فلسفة الحياة والموت في أسطر من تراب، فعندما يمسك المعلم الأول بعود خشبي ويخطّ ذلك المربع والخطوط، كأنما يحيل صفحة الصحراء إلى شاشة سينمائية كبرى يعرض من خلالها مشهد الوجود الإنساني بكل تعقيداته ومآسيه وآماله. إن تخيل هذا المشهد يبعث في النفس هلعاً وجمالاً فنيّاً طاغياً؛ فالحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم- وسط صحابته الكرام يمثل مركز الدائرة وقلب المشهد النابض، وحلقة الصحابة حوله كأنها كواكب درية تحلق حول شمس الهداية، يتابعون بعيون شاخصة حركة العود وهو يغوص في الرمال الناعمة، وكأنهم يقرأون سفر حياتهم المفتوح على صفحة الصحراء. المربع المحيط: هو سياج حديدي أو سور منيع يمثله الأجل المحتوم؛ فمهما طال عمر الإنسان أو تمدد، فهو محصور داخل هذا الإطار الذي لا يمكن تجاوزه، كالطير في قفص القدر. الخط الخارج عن المربع: هو طائر الأمل الجامح الذي يحلّق بعيداً خارج الحدود، كأنه مركب يسير بلا مِجداف في بحر الأماني، يمتد ويمتد وكأن الدنيا لا تنتهي، مع أن الموت يتربص به قاب قوسين أو أدنى. الخطوط الصغار: وهي أنياب متربصة أو سهام موجهة تمثل الأعراض والمصائب، تتكاثر وتتلاحق حول الإنسان كأنها أمواج عاتية تضرب صخرة الوجود. ما أبدع تلك النقلة الدلالية حين أشار النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى الخطوط وقال: "هذا الإنسان"؛ لقد اختزل الكيان البشري المعقد، بروحه وجسده، صراعاته وأحلامه، في مجرد خط أرضي بسيط، كأنه نبضات على جهاز مراقبة الحياة توشك أن تتوقف. ثم جاء التعبير الأعظم بوصف الأعراض بـ "الناهشة": "فإن أخطأه هذا نهشه هذا، وإن أخطأه هذا نهشه هذا" وهنا يتحول العرض أو المرض أو الهم إلى سبع ضارٍ كاسر أو أفعى رقطاء تتربص بالفريسة؛ فإن نجا الإنسان من ناب هذا البلاء، تلقفته أنياب بلاء آخر، في تشبيه بليغ يجعل القلب يرتجف هلعاً من توالي الأقدار وتتابع المحن، إنها حلبة صراع أبدية بين إنسان مسكين يحمل أملاً طويلاً، وأجل محيط يضيق عليه الخناق، وعوارض ناهشة تتسابق لافتراس ما تبقي من أيامه. لو توفرت أدوات الإبداع السينمائي لتوثيق هذه اللحظة، لرأينا عدسة الكاميرا تلتقط تطاير حبيبات التراب تحت حركة العود النبوي، وتنتقل ببراعة بين وجوه الصحابة المأخوذة بجمال الدرس وهيبته، وبين الخطوط المرسومة التي تتحول تدريجياً أمام عيون المشاهدين إلى مرايا ناطقة تعكس حقيقة الدنيا وزوالها. إنها بلا شك مشهد إلهي واقعي هندسه الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- بأبسط الأدوات وأعمق المعاني، لتظل عقولنا تحوم حول هذا المربع، عسى أن ندرك حجمنا الحقيقي قبل أن يدركنا الأجل المحتوم. هكذا تبقى خطوط الصحراء الخالدة مرسومة في عيون العقول وقلوب البصائر، تذكّر الإنسان كلما أغراه طول الأمل بأن السور محيط، وأن النهاية قريبة، وأن الأعراض تتداعى من كل حدب وصوب، إنها دعوة نبوية صامتة لليقظة والاستعداد، لا بالكلمات وحدها، بل بالصورة والحركة والبيان، حتى تظلَّ هذه اللوحة النبوية متوهجةً في ذاكرة كل من يطأ هذه الأرض، يُدرِك أين يقف، وإلى أين يؤول أمره ومصيره. الأستاذ الدكتور محمد محمود كالو د. محمد كالو Generations and Technology University America Generations and Technology University